X

هل يمكن دراسة قضية أدبية ضمن مناهج متنوّعة

سأل دكتورٌ أحدَ الطلاب عن منهجه، أجاب: أطبّق المنهج التحليلي النفسي للأدب، فما كان من السائل إلا أن وبّخه قائلاً: هذا المنهج لا ينفع، اتَّبِعْ منهجاً آخر.

نقلَ الطالب الصورة إلى مشرفه… فضحك وقال: “عظّم الله أجركم”.

حدثٌ معبّر يلقي الضوء على مسألة حساسة جداً في الدراسات العليا والحقول التربوية، ويطرح الأسئلة الآتية: هل يجوز دراسة القضية الأدبية الواحدة ضمن مناهج متنوعة؟ وماذا يترتّب على ذلك؟ ولِمَ يتعصّب بعض الدارسين لمنهج معين؟ ولمِ لا يطّلعون على نظريات القراءة والنقد؟ وقبل هذا وذاك، هل يعدّ هؤلاء من الدكاترة الذين يطوّرون قدراتهم؟

غنيّ عن البيان أن الطالب في الدراسات العليا في الماستر والدكتوراه مطالَب بتبنّي منهج أو غير منهج. ومنهجه الذي يختاره ينبغي أن يلائم طبيعة الموضوع، ولكن في ميدان الأدب، يمكن اختيار غير منهج للموضوع الواحد، وبذلك ستكون النتائج التي تترّتب على ذلك، مختلفة من بحث إلى آخر

فاختيار مناهج متعددة للعنوان الواحد يتلاءم وروحية العلوم الإنسانية التي تأبى الصرامة والأحكام المطلقة.
فكما هو معروف، فإن المنهج يعني الطريق المؤدّي إلى غاية أو نتيجة. أو “حقيقة” تبقى حتماً نسبية قابلة للجدل أو النقد

ولذا، فإن ادّعاء وجود الحقيقة في منهج واحد يعدّ تعصباً أو نسفاً لأسس البحث العلمي وشروطه المتمثلة أساساً بالدقة والموضوعية والبعد من الآراء المسبقة والتحيز، إلخ.

ومن المتوقع أن يكون الباحث الذي يختار منهجاً معيناً، مخلصاً لمنهجه، فيطبّق نظرياته ومفاهيمها في العناوين والفصول والمقدمات والتحليل. ولذا، سيصل إلى نتيجة أو “حقيقة” تتعلق ببوصلة المنهج. وتبقى نسبية! وبما أن المناهج في الأدب تدخل غالباً في إطار الأيديولوجيا ولها منتقدون ومعارضون ومؤيدون. لذا من الطبيعي أن يصل الباحث إلى نتائج نسبية تعتمد على خطوط المنهج وخبرة الباحث.

والغريب حقاً أن لا يحاول بعض المتفلسفين الاطّلاع على مناهج معينة، وكأني بالمنهج الذي فهموا بعض مفاهيمه، أضحى نهاية العلم وأب الحقائق.

وقضية دراسة النص الواحد ضمن مناهج متنوعة، محبذة بل مطلوبة، حيث تتماشى مع غنى النص والتأويل ونظريات القراءة الحديثة. أما الانطلاق من قراءة واحدة، فتعدّ إماتة للنص، وقد تدلّ على انغلاق دعاتها أو جهلهم.

فعلى سبيل التمثيل لا الحصر، يمكن دراسة قضية الحياة والموت في شعر أديب معين، وفاق المنهج النفسي أو البنيوي أو الأسطوري أو… وحتماً سيؤدي كل منهج إلى نتائج فريدة، مع ضرورة فهم المنهج بإتقان، وسوق الأدلة والبراهين والشواهد، علماً أن هناك من يشجّع على تبنّي غير منهج في الدراسة الواحدة، وهذا سيؤدي حتماً بحسب المعترضين، إلى تضخيم البحث وعدم السيطرة على النتائج.

مجمل القول: صحيح أن طبيعة الموضوع هي التي تفرض المنهج، لكن في الأدب، يمكن تبنّي غير منهج للموضوع الواحد، شريطة إتقان المنهج والتحلي بخصال الباحث العلمي. لكن السؤال هنا: لِمَ يفرض بعض المشرفين مناهج معينة على طلابهم؟ ولِمَ يتهرّب معظمهم من تطبيق المناهج الحديثة؟ وهل يحق لمن يجهل المناهج أن يستلم مراكز حساسة في المؤسسات التربوية؟ ومن أوصله. ولماذا

moon: